شوقي ضيف
196
المدارس النحوية
الشائع على نحو موقفه وموقف الفرّاء من إعمال أسماء المبالغة على نحو ما مر بنا في غير هذا الموضع . وقد مضى الفراء - في أثر أستاذه - يتسع بهذه الجوانب ، وكان عقله أدقّ وأخصب من عقل الكسائي ، إذ كان مثقفا - كما أسلفنا - ثقافة كلامية فلسفية ، فكانت قدرته على الاستنباط والتحليل والتركيب واستخراج القواعد والأقيسة والاحتيال للآراء وترتيب مقدماتها لا تقرن إليها قدرة أستاذه ، وقد تحول بها إلى تنظيم واسع لما تركه من أسس بانيا عليه من اجتهاده ما أعطى النحو الكوفي صورته النهائية ، وهي صورة تقوم على الخلاف مع نحاة البصرة في كثير من الأصول ، مع النفوذ إلى وضع مصطلحات جديدة والخلاف مع الخليل وسيبويه في تحليل بعض الكلمات والأدوات وفي كثير من العوامل والمعمولات ، ومع مدّ القياس وبسطه ليشمل كثيرا من اللغات ، والإبقاء مع ذلك على فكرة الشذوذ ومخالفة القياس حتى في القراءات . أما الأصول فقد خالف البصريين فيها في أربع مسائل أساسية ، أما المسألة الأولى فعدم تفرقته بين ألقاب الإعراب والبناء ، على نحو ما مرّ بنا في حديثنا عن مدرسة الكوفة ، وكان حريّا به أن يفصل بينهما كما فصلت مدرسة البصرة ، تمييزا للألقاب التي يتبعها التنوين من الأخرى التي لا يتبعها . والمسألة الثانية هي أن المصدر مشتق من الفعل ، لا كما ذهب إليه البصريون من أن المصدر هو الأصل والفعل مشتق منه ، وكان يؤيد رأيه هو والكوفيون بأن المصدر يصح بصحة الفعل ويعتل باعتلاله ، فتقول قوام من قاوم وقيام من قام ، وأن الفعل يعمل فيه النصب ، تقول كتب كتابة ، وأنه يؤكده كالمثال المذكور ، والمؤكد يتلو ما يؤكده ، وأيضا فإنه توجد أفعال لا مصادر لها مثل نعم وبئس وليس ، إلى غير ذلك من حجج تحاور معهم فيها البصريون طويلا مؤيدين رأيهم ببراهين كثيرة « 1 » . والمسألة الثالثة هي إعراب الأفعال ، وأنه أصل فيها كالأسماء لا أنه أصل في الأسماء
--> ( 1 ) الإنصاف : المسألة رقم 28 وانظر الإيضاح في علل النحو للزجاجى ص 56 ، 62 .